فلسفة وفِكر

ما هي اللاأدرية.. التعريف، المعتقدات، التاريخ

اللاأدرية، هي موقف ديني يرى بأنه لا يمكن إثبات وجود إله من عدمه من خلال الأدلة الحسية، وبشكل عام، لا يمكن للبشر أن يعرفوا بوجود أي شيء يتجاوز ظواهر تجربتهم.. أصبح هذا المصطلح سياقاً للتشكيك في المسائل الدينية عموماً، وبصفة خاصة، يرفض اللاأدريون المعتقدات الدينية التقليدية في ظل الفكر العلمي الحديث..

تم وضع مصطلح اللاأدرية Agnosticism لأول مرة رسمياً في عام 1869 خلال اجتماع للجمعية الميتافيزيقية في لندن من قِبل المُفكر “توماس هكسلي Thomas Huxley”، عالم الأحياء البريطاني وبطل نظرية التطور الداروينية. صاغ توماس هذا المصطلح كإشارة إلى قناعته الخاصة وموقفه الشخصي من الأديان.. وتم استلهام المُصطلح الإنجليزي من الكلمة اليونانية (agnostos) والتي تعني (مجهول).

تندرج اللاأدرية تحت مفاهيم ومسائل النظرية المعرفية الإنسانية، والتي يتم استخلاص نتائجها من خلال التجربة الحسية العادية.. تختلف اللاأدرية بشكل واضح عن المفاهيم الإلحادية الصِرفة، إلا أن كلا الموقفين يعبران عن أفكار خارجة عن الإطار التقليدي للدين، فالملحد الصِرف يؤكد تماماً بعدم وجود إله، بينما يؤكد اللاأدري أنه ببساطة لا يعرف. وتتوافق اللاأدرية مع منهج (الوضعية) لـ أوغست كومت Auguste Comte، التي تؤكد على إنجازات وإمكانيات العلوم الطبيعية والاجتماعية.

يُوضح بيان هكسلي حقيقة أن اللاأدرية لها علاقة بعدم المعرفة، وأن عدم المعرفة في هذا السياق يُشير إلى العقائد الدينية..

تعرض هكسلي وزملاؤه لهجوم من الجدالين المسيحيين المتحمسين وفريدريك إنجلز، بوصفهم “ملحدين يواجهون العار”.

“اللاأدرية ليست عقيدة بل طريقة، يكمن جوهرها في التطبيق الصارم لمبدأ واحد… بشكل إيجابي، يمكن التعبير عن هذا المبدأ على أنه في مسائل الفكر، لا تتظاهر بأن الاستنتاجات مؤكدة، أو لا يمكن إثباتها، أي اتباع العقل بقدر ما يمكن أن يأخذك، للتعرف بصراحة وصدق على حدود علمك” Thomas Huxley

 

توماس هكسلي Thomas Huxley
توماس هكسلي Thomas Huxley

لاحقاً، لم يُستخدم المصطلح في نطاق محدود، على سبيل المثال، في مقال عن “أخلاقيات الإيمان” (1876) لعالِم الرياضيات والفيلسوف البريطاني “W.K. Clifford”، قال: “من الخطأ دائماً، وفي كل مكان، ولكل شخص، أن يصدق أي شيء بناءً على عدم كفاية الأدلة”. بتطبيق هكسلي على الادعاءات المسيحية الأساسية، ينتج عن هذا المبدأ استنتاجات متشككة بشكل خاص، على سبيل المثال، الجدل في ملفق (النصوص الكتابية القديمة المستبعدة من كتب التوراة الكنسية): “قد يشك المرء في أن هناك تمييزاً أكثر حرجاً من شأنه أن يؤدي إلى توسيع نطاق الكتابات المشكوك في صحتها”.

وفي السياق ذاته، قام السير “ليزلي ستيفن Leslie Stephen”، الناقد الأدبي ومؤرخ الفكر في القرن التاسع عشر، في (1893) Agnostic’s Apology، ومقالات أخرى، بتوبيخ أولئك الذين قامو بتحديد “طبيعة الله بدقة، وبنفس أساليب علماء الطبيعة المتواضعين في وصف نشأة الخنفساء السوداء!”.

من جهة أخرى، قام الزعيم السوفيتي “فلاديمير لينين”، في نظريته المادية والنقد الإمبيري (1908)، بتمييز المادية الحقيقية من جهة، والمثالية الجريئة لجورج بيركلي، في القرن الثامن عشر، من جهة أخرى.. كمحاولة التوفيق بين لاأدرية الشكوكي الاسكتلندي ديفيد هيوم، والفيلسوف الألماني عمانوئيل كانط – في جدلية اللاأدرية التي تألفت في ادعاءاتهم حول طبيعة عدم المعرفة، أو حتى وجود “الأشياء” في حد ذاتها (الحقائق وراء المظاهر).

أصول وتاريخ اللاأدرية

إن الشك طبيعة بشرية وغريزية تمكنه من البقاء على قيد الحياة، ولكن ظهور الشك كفلسفة لها إطار ومفاهيم مُحدَدة، ظهر على يد فلاسفة اليونان القديمة، في الشكل الشامل والكلاسيكي الذي يجسده المشككون اليونانيون القدامى، حيث يتَحَدون بثقة ليس مجرد المعرفة الدينية أو الميتافيزيقية، لكن كل ادعاءات المعرفة التي تتجاوز التجربة الحسية الفعلية.. كان “پيرّون Pyrrho”؛ الأب الروحي للفلسفة الشكوكية Skepticism، جنديا في جيش الإسكندر الأكبر حينما غزا المقدونيون أُمَماً مختلفة، وحينها أدرك پيرّون، أن لكل ثقافة حقائقها ومعارفها، فلماذا تكون وجهة نظر ما أصّح من الأخرى، عندما يكون لكل منهما مزاياها العملية؟ وهل تعني كثرة السالكين في مذهب ما صحته؟

ظهرت الشكوكية تقريباً في نفس الفترة التي ظهرت فيها الأبيقورية والرواقية، كان العالم اليوناني القديم في حالة فوضى بعد وفاة الإسكندر الأكبر في عام 323 ق.م، حيث مات الإمبراطور في سن الثانية والثلاثين، دون وجود وريثٌ يُضاهي قدرة الإسكندر على حُكم إمبراطورية عظيمة، في ظلِّ غياب السُلطة، عانت اليونان القديمة من بطش الديكتاتوريّين المتنازعين على المنطقة، ومثل الأبيقوريين والرواقيين كان هدف الشكوكيين هو مساعدة الناس للعثور على السلام الروحي في عالم تعمه الفوضى والتخبط، جادل الشكوكيون بأنه لا يمكننا أبداً التأكد مما نعرف، واليقين مما نعتقد، وأنه يمكن تحقيق الطمأنينة (ataraxia) إذا توقفنا عن إصدار الأحكام على الأشياء دون الخوض في التجربة.. الشكوكية بشكل عام، هي أي إتجاه فكري قائم على الشك فيما يتعلق بمسائل الماورائيات والدين، ويشمل أيضاً علم الأخلاق (الشكوكية الأخلاقية)، أو المعرفة (الشكوكية المعرفية)..

الفلسفة اليونانية
الفلسفة اليونانية

مع بداية عصر النهضة، تأثر الفيلسوف الفرنسي “ميشيل دي مونتين”، بالفلسفة الشكوكية في اليونان القديمة، فأصبح دي مونتين معروف بـ (سيّد الشك)، كما اشتهر بإسهامه في إحياء الفلسفة الشكوكية اليونانية، حيث تشير مقالاته إلى مراجع للشكوكيين وخاصة “پيرّون” مؤسس هذه الفلسفة.

يقول دي مونتين: “إن كتاباتي هذه ما هي إلا هذيان رجل لم يقدر على أكثر من تذوق القشرة الخارجية للمعرفة”.. إن هذه الذاتية موجودة في صميمِ شكوكيته، فهو الذي صاغ شِعار (ماذا أعرف؟ Que sçay-je؟)… بالنسبة لمونتين فإن التجربة هي السبيل للوصول إلى الحكمة لا المعرفة القائمة على الفكر فقط، والفحص والتمحيص والتدقيق، عوضاً عن التسليم بحقيقة مُررت إليك.. بالنسبة لمونتين كانت البديهة والتجربة مهمة بقدر أهمية المعرفة..

كان مونتين مسيحياً مُتديناً، وكان يعتقد بأن إيمانه لا يتعارض مع شكوكيته، بل في الواقع كانت شكوكيته هي التي وسعت آفاق إيمانه.. ومع التقدم العلمي والفكري في عصر النهضة حلت المقاربات العلمية محل الأفكار الدينية المتوارثة، إلا أن دي مونتين حذّر من الإيمان بالنظريات كحقيقة مُطلقة. كما اختلف مع مفهوم “نظرية كل شيء”.. إذن.. هل كان دي مونتين مناهضاً للعلم؟ إطلاقاً.. كان مونتين براغماتياً، لا مؤمناً صريحاً نسبياً، فهو لم يؤمن بحقيقة مطلقة، ولكنه آمَن بالعديد من الحقائقِ التي لها أسس عملية.. فمن ناحيةعلمية، يرتكز التفكير العلمي على الشك، فالمِنهاج العلمي يؤكد بأن النظريات صحيحةٌ ما لم يُثبَت العكس..

جعلت شكوكية مونتين مواقفه تتميز بالحداثة والتكيف على نحو مدهش، فكان يعتقد بأنه ليس منطقياً، الاعتقاد بأن البشر أسمى من المخلوقات الأخرى (بالتسوية الضمنية للبشر مع الحيوانات، قبل مئات السنين من داروين).. وكان يعتقد بأن الغجر الموجودين في الأراضي التي استعمرها الأوروبيون، شرفاء وأخيار حسب مفاهيمهم..

ميشيل دي مونتين Michel de Montaigne
ميشيل دي مونتين Michel de Montaigne

أنواع اللاأدرية
 وفقاً للفيلسوف “ويليام ليونارد روي”.. تم تصنيف اللاأدريين مؤخراً إلى فئات مختلفة تشتمل على:

  1. لاأدري ملحد: لا يؤمن بوجود إله، ولكنه لا يدّعي معرفته من عدمها.
  2. لاأدري مؤمن: لا يدّعي معرفة إله، ولكن في ذات الوقت يؤمن به.
  3. لاأدري غير مكترث (براجماتي): يؤمن بأنه لا يوجد دليل على وجود إله من عدمه، حيث أنه يُمكن لأي إله أن يتصرف بلا مبالاة تجاه الكون أو ربما يسعى لرفاهية مخلوقاته، وبالتالي، يكاد يكون وجوده منعدماً في القضايا الإنسانية التي يعاني منها الإنسان وحده.
  4. لاأدري قوي أو المنغلق أو الدائم: يعتقد بأن التساؤلات المتعلقة بوجود أو عدم وجود آلهة، والطبيعة النهائية للواقع، هي أمور مجهولة، نتيجة إلى عدم قدرتنا الفطرية على التحقق من تجربة ما، إلا من خلال تجربة ذاتية. «لا أستطيع أن أعرف هل هناك إله أم لا؟ وكذلك أنت!».
  5. لاأدري ضعيف أو  التجريبي أو المنفتح أو المؤقت: يعتقد بأن وجود الإله من عدمه هي مسألة خارج حدود المعرفة على أرض الواقع، ولكنها ليست بالضرورة مجهولة. وبالتالي يمكن تعليق الحكم فيها لحين وجود أدلة، فإن وُجدت أصبح الحكم متاحاً. »لست أدري هل هناك إله أم لا؟ ولكن ربما في يوم من الأيام، إن وجدت أدلة، سيكون باستطاعتنا أن نكتشف شيئاً».

اللاأدرية الدينية

من الممكن مُقاربة مفهوم اللاأدرية الدينية، قد يكون هذا التعبير متناقضاً، إلا أنه يمكن أن يشير إلى القبول المقترن والمشروط بالاقتناع بأنه يمكن على الأقل وضع حد أدنى من المعتقدات الدينية الإيجابية على أسس كافية، أو كموقف ديني لا يأخذ المسائل الفقهية المثيرة للجدل على محمل الجدّ.. وفي هذا الشأن، يوضح هكسلي في مقال آخر عام 1889 بعنوان “اللاأدرية والمسيحية” أن مفهوم تعارض (اللاهوت العلمي) مع (الكنسية)، أو مفهوم (رجال الدين)، والذين ادّعو أنهم توصلوا إلى استنتاجات جوهرية مختلفة عن استنتاجاته، بل إنهم يؤكدون “أنه من الخطأ أخلاقياً عدم تصديق بعض المقترحات، مهما كانت مشفوعة بنتائج البحث العلمي الصارم لأدلة هذه المقترحات”.. ومن جهة أخرى، اللاأدرية الدينية ليس لها علاقة بالعلمانية كمفهوم.. ويمكن النظر إلى “بوذا” والذي وضعه “ريتشارد دوكنز” في مقياسه الشهير (مقياس دوكنز) كشخص لا يُنكر ولا يؤكد وجود الخالق، كنموذج تقليدي للاأدرية الدينية، حيث تجنب بوذا الخوض في كل هذه المسائل المُبهمة والمتضاربة، في حين يُصِرّ المسيحي الكنسي على أن اليقين المُطلق حول قائمة الحد الأدنى المعتمدة من المقترحات المتعلقة بالله والمخطط الإلهي العام للأشياء كان ضرورياً تماماً للخلاص.

 

تُرجم بواسطة Mohamed Abusharaf – لصالح موقع Axistalking.com

المصدر:

https://www.britannica.com/topic/agnosticism

الوسوم
اظهر المزيد

Mohamed Abusharaf

كاتب ومُطوِر مواقع مُستقِل، ومؤسس موقع مِحوَر الحديث.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق