تاريخ

من جذور اقتباسات الأديان التوحيدية (ج 1)

الكاتب: الحكيم البابلي

كان للحضارة السومرية – البابلية تأثيرا مُباشرا وفعالا على ديانات أغلب شعوب العالم ، وخاصةً تأثيرها الكلي الواضح على الديانات التوحيدية للشرق الأوسط ، وعلى كتبة التوراة والتلمود ، وهو ما سيتناولهُ البحث .


 
كِتاب العهد القديم ( التوراة ) كان قد تم إعتباره – ولقرون عديدة – كتاباً مُقدساً أوحاهُ أو الهمهُ الرب للعبرانيين ، ومما ساعد على في تصديق الناس بهِ ، هو أن الزمن والحروب الطاحنة والخراب والنسيان والتراب غمروا وإلتهموا كل الحضارات الرافدية والمصرية والكنعانية القديمة حسب حتمية : ( أقوام وشعوب سادت ثم بادت ) !. ولكن فك رموز الكتابة الهيروغليفية ( المصرية ) وبعدها بزمن قصير رموز الكتابة ( المسمارية ) ثم الأكدية والبابلية والآشورية والكنعانية والفينيقية ، سلط مئات الأضواء الكشافة على زيف التوراة و إدعائها لما ليس لها !!. وفي هذا يقول سيد القمني في كتابهِ ( قصة الخلق ) : [ هناك إشكالية كبرى عن كون اليهود قد جعلوا جماعتهم وأربابهم قطب الدائرة في التوراة ، فنسبوا بطولات الملاحم إلى آبائهم الأوائل أحياناً ، أو نسبوا أبطال أساطير شعوب أخرى إلى أنفسهم ، وإدعوا النسب السلالي إليهم أحياناً أخرى ، فكانت النتيجة : مزيجاً هجيناً من ثقافات شتى ، تعود إلى الراسب الثقافي لمجموعة كبرى من شعوب المنطقة ، تلاقحت جميعاً على صفحات الكتاب المقدس ، ولعب فيها اليهود دور البطولة المُطلقة ] .


 
والظاهر أن العبرانيين ، وهم في أصولهم أشباه بدو ، كانوا قد أعجبوا لحد الوله والتقليد الأعمى بالحضارات العريقة ( الأصلية ) المتناثرة حولهم كالنجوم الساطعة في ليل بدائيتهم ، لِذا قاموا بنسخها وإقتباسها وتقليدها وتحويرها قدر الإمكان ، لكنهم لم يكونوا موهوبين حتى في ذلك ، لهذا نراهم يرتكبون الأغلاط الكثيرة التي أضحكت العلماء الباحثين المُدققين في الإكتشافات العملاقة لحفريات ونبش ما تحت تربة بلاد الرافدين ومصر والشام ، والتي أزاحت غبار مئات السنين عن الآثار والألواح والرقم الطينية المفخورة ، ومن خلال كل ذلك تم أيضاً إثبات أن التوراة لم تكن أول نص مكتوب كما كانوا يزعمون !!.


 
ويومها ضج كل العالم المتحضر ، وتحديداً مؤدلجي الفكر الديني والقومي والعنصري ، والحرس القديم من مُمثلي الرب على الأرض ، والذين رفضوا التصديق والقبول بأن جذور ومصادر أديانهم المُقدسة ، هي في أصلها أساطير وخرافات وأديان أقوام قديمة مُبدعة خلقَت وتعاملت مع هكذا فكر وممارسات لتفسير العالم الغامض الذي كان يُحيطها بلا أدريته من كل جانب .


 
كذلك إكتشفوا بأن كِتابة التوراة لم تكن عملاً قام بهِ النبي موسى لوحدهِ كما كان يُعتقَد ، بل شارك في حَبكِه ونسج لحمته وسداه – بعد إقتباسهِ – عشرات الكُتاب العبرانيين ، وفي أماكن متباعدة جغرافياً ، وعبر أزمنة مُختلفة جداً تُقدَر بألف عام بين أول وآخِر مُقتبس !!. وفي هذا يقول الأب سهيل قاشا في كتابهِ – أثر الكتابات البابلية في المُدونات التوراتية : [ التوراة ليست كتاباً واحداً ، بل سلسلة من الكتب ، كتبها عدد من الكتاب في أزمنة مُتباينة ، وإنها لا تقتصر على موضوع واحد أيضاً [ .


 
أما العالِم د. طه باقر فيقول في كتابهِ ( مُقدمة في تأريخ الحضارات القديمة ) : [ ومما يُقال عن بقاء اليهود في بلاد بابل – بعد السبي البابلي الثاني والذي تم فيه تدمير أورشليم ودك معالم هيكل سليمان – وما تركهُ من تأثيرات كبيرة في الديانة العبرانية وفي تطور معتقداتها الأساسية بحيث يصح القول ان هذه الديانة بوصفها ديانة مُوحِدة مع نضج فكرة الوحدانية فيها ، إنما نمت في أثناء بقاء اليهود في بلاد بابل ، كما بدأ فيها جمع أسفار التوراة وتدوينها ما بين القرنين الخامس والسادس ق.م ، ودُوِنَ التلمود البابلي الشهير في القرنين الخامس والسادس الميلاديين ، هذا بالإضافة إلى ما أخذهُ اليهود من آداب حضارة وادي الرافدين ومعارفها وأساطيرها وقصصها [.
 
كذلك يقول صمويل نوح كريمر ، وهو من علماء السومريات أيضاً : [ فقبل أن يُدون العبرانيون توراتهم ، والإغريق الياذتهم وأوديستهم بألف عام ، نجد في بلاد سومر أدباً غنياً ناضجاً يتضمن الأساطير وقصص الملامح والتراتيل والمراثي ، ومجموعات من الأمثال والخرافات والرسائل والمقالات والمناظرات[ .

أدناه ( بعض ) الإقتباسات التوراتية ، وهي الأهم والأكبر من ضمن المئات منها . أغلبها ليس بالجديد على القارئ القديم ، لكنها قد تكون مُختلفة في طريقة تقديمها وعرضها وربط حوادثها وتنسيقها والتعليق عليها ، والعقل وليُ التوفيق .

1- جذور إقتباس قصة الخلق والتكوين

كتصرف طبيعي غريزي وبديهي لمَلَكَة العقل عند الإنسان ، نراهُ يحاول منذ البدء تفسير ما حوله من موجودات وكائنات ومعميات وعوالم ، كتصدي لِما لَم يكن يعرف أو يفهم من أسرار لجود العالم ووجوده هو وموتهِ ، وكان من ضمن تفسيراتهِ وقناعاتاتهِ ما وَصَلنا من قصص الخلق والتكوين . وأول وثيقة لقصة الخلق والتكوين وصلتنا من بلاد الرافدين تعود لحوالي 3000 سنة ق.م ، وملخصها هو : (( في البدء كانت الإلهة ( نمو ) لوحدها ، وهي المياه الأولى التي إنبثق منها كل شيء ، ثم أنجبت ولداً ذكراً ( آن ) إله السماء ، وأنثى ( كي ) آلِهة الأرض ، وكانا ملتصقين ببعضهما وغير منفصلين عن أمهما نمو ، وحدث آن تزوج ( أن ) من أخته ( كي ) وأنجبا إله الهواء ( أنليل ) والذي بقوته الجسدية حرر إلتصاق أمه وأبوه عن بعضهما فصار ابوه السماء وأمه صارت الأرض ، ثم أنجب أنليل ( نانا ) إله القمر ، والذي بدوره أنجب ( أوتو ) إله الشمس ، … الخ (( .


ثم تبعتها قصص بابلية مُقتبسة منها في حوالي 20000 ق.م ، كان آخرها وأضبطها ملحمة الخلق البابلية المسماة ( إينوما إيليش – عندما في الأعالي ) ، وتُمثل الشكل النهائي لتلك الملحمة .


 
الإختلاف في كل تلك القصص كان جزئيا جداً لا يتعدى كونهِ إختلافاً في تسمية الآلِهة مع تغير بعض التفاصيل الهامشية ، وهي إختلافات حتمتها سلطة وقوة المتغيرات السياسية والحربية والإجتماعية للمدن والدول والحكام ، وكمثال : نجد أن الإله ( أنليل ) وهو الإله الخالق عند الأقوام السومرية ، يأخذُ إسم الإله ( مردوخ ) عند البابليين بعد أن إقتبسوا الفكرة من السومريين ، كذلك نُلاحظ تغيير الإله ( أنكي ) بالإله ( أيا( .


 
كذلك نُلاحظ أن الآشوريين وبعد أن إقتبسوا قصة الخلق ( إينوما إيليش ) من البابليين يقومون عمداً على كشط إسم الإله ( مردوخ ) عن الكثير من الرُقم الطينية التي كانت من ضمن غنائم الحروب العديدة بين هذين الشعبين ، [ ويعيدون نسخ بعضها الآخر ويضعون إسم إلههم ( آشور ) بدلاً من الإله البابلي ( مردوخ ) ، مع إعطائهِ كل صفات الإله مردوخ !!، لكن عملهم لم يكن مُتقناً ، فقد بقي في هذه الكتابة ما ينم عن وجود مردوخ ] . إقتباس بتصرف من كتاب ( أثر الكتابات البابلية في المدونات التوراتية – الأب سهيل قاشا) .
 
ومن الجدير بالذكر أنه تم إكتشاف الواح ( الإينوما إيليش ) في مكتبة الملك ( آشور بانيبال ) ، وتم أيضاً توثيق أصلها البابلي وليس الآشوري والذي يقول أنها كُتبت في حوالي سنة 1750 ق.م في بابل ، والظاهر إن إكتشافها في مكتبة آشور بانيبال كان لكونها من غنائم الحرب السجال بين الآشوريين والبابليين ، والتي إنتهت بتدمير البابليين لنينوى وآشور نهائياً في سنة 612 ق.م ، وبعدها بفترة قصيرة هوت بابل ودُمِرَت إلى الأبد على أيدي الفرس وقائدهم كورش سنة 539 ق.م ، وبمساعدة وخيانة يهود بابل الذي كانوا من نسل السبي البابلي الأول والثاني لأورشليم !

تُحدِثنا ملحمة ( الأينوما إيليش – عندما في الأعالي ) عن انه لم يكن موجوداً في بداية الزمن إلا الماء الأزلي الشاسع ، والفوضى (( بحر أول فوضى في الكون )) ، إختلط فيهِ الماء العذب ( إبسو ) بالماء المالح ( تيامات)!.


 
ومن تلك الفوضى الرهيبة خُلقت أوائل الآلهة ، ومع مرور الوقت قرر بعضها تنظيم العالم ، فأدى ذلك إلى غضب الإله ( إبسو ) وزجتهِ ( تيامات ) ربة ورمز الفوضى العظيمة ، وكانت اُنثى شريرة ومُشاغبة وعلى شكل تنين لهُ سبعة رؤوس .
 
وتقول بقية الأسطورة أنه إتحد المتمردون تحتَ راية وقيادة الإله الحكيم ( إيا ) وقتلوا الإله ( إسبسو ) ، فقررت الإلهة ( تيامات ) الإنتقام لمقتل زوجها . وتقع معركة دموية رهيبة إنتصرت فيها آلِهة النظام تحت قيادة الإله ( مردوخ ) الذي قتل ( تيامات ) وخلص العاَلم من شرورها وأذاها ، وشطر جسدها المائي شطرين (( كما تُفلقُ الصدفة ))، وصنع منهما السماء والأرض ، ثم يتم خلق النبات والحيوان والشمس والقمر وإلإنسان والحياة … الخ .

أما قصة الخلق التوراتية فتقول لنا – مُختصر – : أن الرب العبراني بعد أن قضى على فوضى الماء ( الغمر المائي ) الذي كان أول موجودات الوجود كمحيط أزلي مظلم صَوَرَتهُ التوراة كوحش خرافي عظيم أسمتهُ ( الواياثان ) ، وهو التنين ذو الرؤوس المتعددة ، والذي يقوم رب التوراة بشقه نصفين ليصنع منهما السماء والأرض !. وقد إستمرت عملية الخلق هذه ستة ايام إستراح بعدها الرب من عناء عملهِ في اليوم السابع وجلس على العرش ! .


 
في سفر التكوين نقرأ كذلك : (( وكانت الأرض خربة وخالية ، وعلى وجه الغمر ظلمة ، وروح الله يرف على وجه المياه ، وقال الله : ليكن جلد في وسط المياه ، وليكن فاصلاً بين مياه ومياه ، فعمل الله الجلد ، وفصل بين المياه التي تحت الجلد والتي فوق الجلد ، وكان كذلك ، ودعا الله الجلد سماء … الخ(( .

في القرآن نجد سورة هود آية 6 : (( وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ، وكان عرشه على الماء )) . كذلك يقول القرآن : (( أولم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقاً ففتقناهما(( .

من خلال كل ما تقدم نعرف بأن التوراة – وهي اُم الديانات التوحيدية – قد بنت أولى أفكارها حول الخلق والتكوين على أساطير سومر وبابل وبالذات على ملحمة الخلق ( إينوما إيليش – عندما في الأعالي ) !!!، والبقية تأتي .

2- جذور إقتباس فكرة خلق الإنسان من التراب وعلى صورة الخالق

الكثير من أساطير الشعوب تحوي قصصاً مُشابهة لخلق الإنسان من الطين ، منها البابلية بواسطة الإله ( مردوخ ) ، المصرية بواسطة الإله ( خنوم ) ، الإغريقية بواسطة الإله ( برو ميثيوس ) ، العبرانية اليهودية بواسطة الإله ( يهوة أو إيلوهيم ) ، وغيرها الكثير من القصص والأساطير لأقوام وشعوب العالم .
 
وكل هذه الأساطير مصدرها واحد : سومري رافدي ، والأصل موجود في مقطع من الأسطورة السومرية ، حيث يقول الإله ( أنكي ) لأمهِ ( نمو( :


إمزجي لب الطين بمياه الأعماق
وسيقوم الُناع الإلهيون المَهرَة ، بتكثيف الطين وعجنهِ
وقومي أنتِ يا أُماه ، ببناءِ الأعضاء والجوارح
وستعملُ معكِ ننماخ – الآلِهة الأم – يداً بيد
وستقف جنبك لمساعدتك أثناء التكوين ، كل ربات الولادة
ولسوفَ تختارين للمولود الجديد يا اُماه ، مصيره
وستُعَلِقُ ننماخ عليهِ شكل وصورة الآلِهة
إنه الإنسان


 
ونرى بأن هذا المقطع من الأسطورة يقول لنا بأن الإنسان صُنع من التراب ( الطين ) ، وعلى هيئة وصورة الآلِهة ، وأن مصائر البشر مُقدرة ومكتوبة منذ لحظة خلقهِ ، وهو إقتباس آخر كان يسميهِ السومريون ( الواح القدر ) ، وفي لغاتنا العربية يُعرف ب ( المكتوب على الجبين تشوفو العين ) ، و( القسمة والنصيب ) ( والمُقدر والمكتوب ) ، وغيرهما الكثير .


وكمحاكاة لهذه الأسطورة تذكر التوراة في سفر التكوين 1: 26-277 : (( قال الله : لنصنع الإنسان على صورتنا كمثالنا ، فخلق الله الإنسان على صورتهِ ، على صورة الله خلق البشر ، ذكراً وأنثى خلقهم ، وباركهم الله … )) . كذلك نجد في سفر التكوين 3 – 19 : (( ……. حتى تعود إلى الأرض ، لأنك منها اُخِذتَ ، وأنتَ تراب وإلى التراب تعود(( .

أما القرآن فيقول : (( وخلقنا الإنسان من علقْ )) ، وفي آية الأنعام : (( هو الذي خلقكم من طين ثم قضى أجلاً وأجلٌ مسمى عنده ثم أنتم تَمتَرون )) . كذلك في القرآن : (( وخلقنا الإنسان من صلصالٍ كالفخار )) . ونقرأ في كتاب ( العين ) للخليل بن أحمد الفراهيدي قوله : (( وخُلِقَ آدم من طين ، ومكث في الشمس أربعين يوماً ، حتى صارَ صلصالاً((

.

في الأسطورة السومرية نرى أن الغرض الرئيسي من خلق الإنسان هو لعبادة وخدمة الآلِهة ، عن طريق تزويدها بالطعام والشراب والمسكن وكل ما تحتاج . لكي تُعطى تلك الآلِهة – صغارها وكبارها – الفرصة للقيام بأعمالها الربانية بصورة منتظمة ، وقصة خلق الإنسان السومرية تبدأ من مشكلة إجتماعية حدثت بين فئتين من مجمع الآلِهة : ( الأناناكي ) وهم رؤساء الآلِهة ، و( الإيكيكي ) وهم آلِهة من الدرجة الثانية أقل منزلةً وشأناً ، وكانوا يُمثلون الشغيلة المُسخرين للعمل المُرهِق جداً لخدمة الآلِهة الكبار الأناناكي .


 
ويحدث أن كثرة العمل والضغط يُولد ضغوط تؤدي لثورة الإيكيكي الذين يُضربون عن العمل ويقومون بإحراق وتدمير أدوات العمل وعدتهِ ، ويذهبون ليحتجوا على سوء وبؤس أوضاعهم عند كبير الآلِهة ( إنليل ) ، ويبدو أنه كان يقوم بدور المهندس أو المشرف ، أُسطة أو فورمن أو مانِجَر أو ربما باش مهندس .. شيئ من هذا القبيل .


 
والمفهوم من سياق أحداث الأسطورة أن إضراباً كهذا سيؤدي إلى مجاعة وشقاء ودمار !!، فالآلِهة الكبيرة لا تعمل حتى لو جاعت ، يعني نوع من ( تنابلة السلطان ) !!، ولهذا نراهم يعقدون إجتماعاً طارئاً لمجمع الآلِهة ، وعلى رأسهم الإله ( أنو ) والإله ( أيا ) وهو الإله الصاحي الذكي الدقيق والمُبتكر ( هذه صفاته ) ، والذي يقترح خلق بديل للآلِهة الصغار ( الإيكيكي ) ، ولكن بشروط منها : أن يكون البديل الإنساني موهوباً وحاذقاً وذكياً كما هي الآلِهة ، ويُشترط على البديل أيضاً عدم الإعتراض والتذمر والإضراب ، لأن ذلك سيُعرض عالَم الآلِهة الكبار والصغار للخطر ، والشرط الثالث أن يُعطى هذا البديل حياة قصيرة ولا ينال الخلود المُخصص فقط للآلِهة !!!.
 
وأعتقد هذه الشروط التعسفية لا زالت مفروضة على البشر لحد اليوم . وكلنا يعرف إنها من صنع الكهنة المستفيدين دائماً وأبداً عبر كل العصور .


 
ولا يفوتنا في قصة خلق الإنسان هذه أن مجمع الآلِهة قام بقتل إله قاصر ( أويل – إله العقل ) ومزجوا دمه مع الطين لإعطاء المخلوق الجديد ميزة العقل التي ستساعدهُ في القيام بأعمالهِ اليومية !!.


 
ونرى أيضاً أن واحدة من أسباب خلق الإنسان هي لعبادة تلك الآلِهة ، وحتى هذه الفكرة تم إقتباسها ، وتأتي على لسان النبي محمد : (( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون )) ، ومنها نفهم الإصرار الإسلامي على أن الفكرة الأساسية لخلق البشر هي لعبادة الله ، وكل ما عدى ذلك أمورٌ تافهة وثانوية .

وفي التوراة : (( …. ذكراً وأنثى خلقهم ، وباركهم الله ، وقال لهم : إثمروا وإكثروا وإملأوا الأرض )) ، ومن هذه الفقرة التوراتية إقتبس النبي محمد كلامه : (( تناكحوا تناسلوا تكاثروا إني مباهٍ بكم الأمم في يومِ القيامة )) !!، والحق .. لا أعرف إن كان سيُباهي بالنوعية أم الكمية !؟ .


 
وكما في الأسطورة السومرية إقتبست الأديان التوحيدية فكرة مُطالبة الإنسان المسكين أن يكون عبداً حقيراً ذليلاً للخالق المزعوم ، بل هي تُشدد على ذلك ، وتتهدد الإنسان بأفضع العقوبات الدنيوية والأخروية فيما لو فكر أو شرع في عدم الطاعة ، وتُذكره كل يوم وكل ساعة بما ينتظرهُ في الجحيم وجهنم وبئس المصير .

 -3جذور إقتباس قصة الخطيئة الأولى – آدم وحواء

وجد المنقبون وعلماء الآثار في العراق نقشاً سومرياً على شكل ( ختم أسطواني ) ، يُصَوِر رجلاً على رأسهِ قلنسوة أو قرنين ، وإمرأة حاسرة الرأس ، وهم في حالة جلوس فوق كرسيين متقابلين وبينهما شجرة نخل ، وكلاهما ماداً يده نحو عذق التمر الذي يُقابلهُ ، والمتدلي من النخلة ، كذلك تظهر الحية منتصبة وقوفاً خلف المرأة !!.


وحتى بدون أن يرى بعضكم صورة هذا النقش ، فبماذا توحي لكم هذه الصورة الحجة ؟
 
كل ما فعلهُ المُقتبس التوراتي هو أنه أعطى للشخصين الآدميين أسماءً ( آدم وحواء ) ، وإستبدل النخلة وعذقي التمر بشجرة التفاح والتي تُمثل ( الخير والشر ) ، ومعلومٌ أن أرض فلسطين مشهورة بالتفاح وليس بالنخل ، وهذه شطارة تُحتسب للمُقتبس التوراتي ، لكنها تنقلب ضدهُ حين تفشل شطارته عن إخفاء معالم الإقتباس الشهير والكبير هذا ، والذي خدع العالم لمئات ومئات السنين ولحد إكتشاف جذور هذا الإقتباس الذي كشفه لنا ختم أسطواني صغير .

أما الأسطورة الفارسية عن خلق آدم وحواء فتقول : (( أن الإله الكلي القدرة ( أهورا مِزدا ) إله الديانة الزرادشتية خلق ( غايومارت ) وهو الإنسان المُعادل لأدم عند الفرس ، وعاش غايومارت هذا 3000 عام كروح بلا جسد !!!، بعدها تحول إلى شاب وسيم ، وبعد ان عاش لفترة 30 سنة كإنسان قام الشيطان ( أهرمان ) بتسميمهِ وقتلهِ ، وبتحريض من ( جي ) العاهرة !!. ومن بذرة غايومارت نمت كل البشرية من أب وأم ( ماشي وميشان ) واللَذَينِ تركا عبادة ( أهورامِزدا ) وتبعا غواية الشيطان . لِذا حَكَمَ عليهما ( أهورا مِزدا ) بالعذاب الأبدي(( .


 
وهذا يُذكِرنا بلعنة الرب التوراتية على آدم وحواء والحية ، وكيف طردهم من جنة عدن التوراتية . لأنهم إستسلموا لغواية الحية وأكلوا من تفاح شجرة معرفة الخير والشر ، وكان ذلك دلالة عصيانهم وعدم طاعتهم لأوامر الرب الخالق !. إقتباس واضح جداً .

 -4جذور إقتباس قصة خلق حواء من ضلع آدم

تقول الأسطورة البابلية أن جزيرة ( دِلمون ) تحولت إلى جنة بعد إتحاد الإله ( أنكي ) بالآلِهة الأم الأرض ( نينخورساج ) التي نراها تغضب بشدة من زوجها ( أنكي ) حين يقوم وبدون علمها بأكل ثمانية نباتات كانت قد إستنبتتها ، لهذا تلعنهُ بلعنة الموت : (( إلى أن يوافيك الموت لن أنظر إليك بعين الحياة(( !! .


 
وبما أن أنكي ( المريض باللعنة ) يُمثل إله المياه .. فهذا يعني لبقية الآلِهة أن المياه ستقل ، ولن تكون مُتدفقة من الإله أنكي كما في السابق ، وأن الأرض ستشرب ما سيتبقى منها ، وسيعم الجفاف والقحط والمجاعة ، لِذا يقوم الآلِهة الكبار على محاولة إقناع ( نينخورساج ) بالعفو عن زوجها أنكي إذ هي الوحيدة القادرة على شفائهِ ، ويقوم الثعلب في النهاية بإقناعها ، وبعدها تقوم ( نينخورساج ) بخلق ثمانية آلِهات لشفاء أمراضه الثمانية والتي واحدة منها الوجع في ضلع صدرهِ !!.


 
واحدة من تلك الآلِهات الثمانية كانت تُدعى ( نن- تي ) ومعناها ( سيدة الضلع ) ، فالكلمة السومرية ( تي ) تدل على معنى ( الضلع ) في حالة الأسم ، وتُعطي معنى ( الحياة ) في حالة الفعل .


كذلك تعني ( نن- تي ) السيدة التي تُحيي ، لِذا نراها في الأسطورة تقوم بشفاء ضلع الإله المريض أنكي .
 
من تفاصيل هذه الأسطورة يتم إقتباس الفكرة التوراتية في سفر التكوين ، والتي تقول : (( فأوقع الرب سُباتاً على آدم فنام ، وأخذ الرب واحداً من أضلاعهِ وملآ مكانها لحماً ، وبنى الرب الضلع التي أخذها من آدم إمرأة وقدمها لآدم(( .


 
حتى الساذج بإمكانهِ التعرف على جذور وأصول هذه الحكاية التوراتية المُقتبسة حين يقرأ الأسطورة البابلية ، ثم لاحظ التقارب الكبير بين ( نن- تي سيدة الضلع ) وهي نفسها ( السيدة التي تحيي ) وبين الإسم التوراتي ( حواء – اُم الأحياء ( !!.

يتبع….

الكاتب: الحكيم البابلي

الوسوم
اظهر المزيد

مِحوَر الحديث

مجلة رقمية تنويرية ومساحة للرأي الحر، نهتم بالقضايا العربية وحقوق الإنسان ومناقشة الفلسفة والعلوم والحركات الفكرية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق