أدب وفنون

شرح لوحة ليلة النجوم، فان جوخ

فنسنت فان جوخ Vincent Van Gogh (30 مارس 1853 – 29 يوليو 1890) الرسام الهولندي الشهير، صُنِف كأحد فناني الانطباعية والتصوير التشكيلي. تتضمن أعماله بعضاً من أكثر الأعمال الفنية شهرة وشعبية وأغلاها سعراً في العالم. عانى جوخ من نوبات متكررة من المرض العقلي، وأثناء إحدى تلك النوبات التي لازمته طوال حياته، قطع جزءاً من أذنه اليسرى. اتجه جوخ للرسم التشكيلي للتعبير عن مشاعره، وابتكر نحو 2100 عمل فني، بما في ذلك 860 لوحة زيتية، يعود معظمها إلى العامين الأخيرين من حياته.

في عام 1874، كتب جوخ إلى شقيقه ثيو يقول: “أحبّ المشي كثيراً وأعشق الطبيعة، وهذا هو الطريق الحقيقي لكي نتعلم كيف نفهم الفن بشكل أفضل. الرسامون يفهمون الطبيعة ويحبونها وهي تعلمهم كيف يرون العالم”.

في مساء يوم الأحد الموافق 27 يوليو 1890 أطلق فان جوخ رصاصة على صدره، لكنه استطاع العودة إلى حجرته المستأجره في نزل رافو بخطى مضطربة حيث انهار على السرير، ثم عثر عليه رافو، تم استدعاء الطبيب، الذي أوصى بعدم محاولة إزالة الرصاصة من صدر فنسنت. بقى فنسنت وأخوه الأصغر “ثيو” سوية حتى الساعات الأخيرة من حياته، ذكر ثيو لاحقاً بأن فنسنت اختار الموت بنفسه، فعندما جلس إلى جانبه وهو مستلقي على سريره، قال له فنسنت: “إن الحزن يدوم إلى الأبد”.. توفي فنسنت فان غوخ في الساعة الحادية والنصف صباح يوم 29 يوليو 1890 عن 37 سنة، رفضت الكنيسة الكاثوليكية في أوفيرس السماح بدفن فينسنت في مقابرها لأنه انتحر، لكن مدينة ميري القريبة وافقت على دفنه واقامة جنازة له في 30 يوليو 1890.

فان جوخ Van Gogh
فان جوخ Van Gogh

نبذة عن لوحة ليلة النجوم

ليلة النجوم The Starry Night لوحة زيتية تُصنف ضمن فئة الفن الانطباعي، رسمها فنسنت فان غوخ في 1889 م، مُستوحي المشهد من خارج نافذة غرفته في مصح سان ريمي، في فرنسا، جسد فيها جوخ ليل مدينة سان ريمي دو بروفنس، فرنسا، وبرغم أن جوخ رسمها نهاراً، إلا أنه استدعى انطباعه الفني من ذاكرته عن تلك الليلة التي شَهدها. بينت دراسة اللوحة أن السماء رُسمت باللازورد والكوبالت الأزرق، والصباغ النادرة مثل الهندي الأصفر والزنك الأصفر. اللوحة موجودة بشكل دائم منذ عام 1941 في متحف الفن الحديث Museum of Modern Art بنيويورك، بعدما إشتراها المتحف من تركة جامعة التحف الفنية الأمريكية Lillie P. Bliss.

كتب جوخ إلى شقيقه ثيو رسالة قال فيها: “هذا اليوم، راقبت الصباح من نافذتي قبل أن تشرق الشمس بوقت طويل. لم يكن هناك شيء باستثناء نجمة الصباح التي بدت كبيرة ومتوهجة”. كان جوخ يصف المشهد الذي ألهمه رسم تحفته الأشهر على الإطلاق، (ليلة النجوم).

رمزية لوحة ليلة النجوم

في اللوحة يتجسد الهدوء والفوضى، السلام والاضطراب الكوني، النجوم والقمر يتوهجون باللون الأصفر الأخّاذ، والمرتفعات تكاد تميد وتهتز، بينما تبعث الدوامات اللولبية شعوراً بالغموض والمجهول، الأرض تبدو كما لو أنها تستميل للسماء حيث تمتزج الجبال والأشجار مع حركة السماء المهيبة. في القرية، تبدو البيوت متواضعة وغافية، وأشجار الزيتون باسقة، بينما يبدو برج الكنيسة كما لو انه يجاهد ليشير إلى الخالق في السماء. وفي مقدمة المشهد الليلي المهيب أيضاً، ترتفع شجرة سرو عملاقة إلى أقصى الطرف العلوي للصورة، ربما للربط البصري ما بين الأرض والسماء، أو كجسر بين الحياة والموت، حيث ترتبط أشجار السرو عادة بالمقابر والحِداد.

تتضمن اللوحة 11 نجماً، ودوامات عديدة، وهلال في أقصى اليمين، دارت حولهما نقاشات كثيرة، مع ذهاب الكثيرين إلى إنها كانت امتداداً لحالة جوخ النفسية الهشة آنذاك. ومع قلة تصريحات فان جوخ حول هذه اللوحة، تعددت النظريات حول حالته ومقاصده أثناء رسم اللوحة، فمنهم من قال أنها تبعث على الكآبة، وآخرون قالوا أنها توحي بالطمأنينة. وكان فان جوخ يرى أن الليل أكثر حيوية وأغنى بالألوان من النهار، في مثل هذا المزج في اللوحة بين التباينات البصرية المختلفة، التي أنتجها خيال فنان كان يعشق الليل ويجد فيه مصدراً دائما للجمال والرهبة.

ذُكرت لوحة “ليلة النجوم” في العديد من الكتب، مثل كتاب الأمريكي مايكل بنسون “كوسميجرافيك”، الذي قال فيه أن اللوالب والدوامات في اللوحة هي ببساطة تصوير تجريدي للمجرات الكونية، ومن المرجح أنها كانت مستوحاة من رسومات للكون ففي تلك الفنرة.

بعض النقاد توقفوا عند رمزية الأحد عشر نجماً الظاهرة في اللوحة، وذهبوا إلى إمكانية تأثر فنسنت بقصة النبي يوسف في العهد القديم، ورغم أن فان جوخ يصف اللوحة لأخيه في يونيو 1889 أنها “ليست عودة للأفكار الرومانسية أو الدينية”. فإنه من المرجح أنه انطباع ديني يجسد دوافع نفسية شعورية عنده. والتي لم تجد لها متنفسا بعد فقدانه للإيمان المسيحي الكنسي التقليدي، حيث كان جوخ يخوض غمار تجربة دينية روحية يتصل فيها بالطبيعة وبالقوى المطلقة وراء تكوينها وبما وراء العالم، على عكس والده، كان جوخ يعتقد أن الإيمان لا ينبع من التعاليم، بل من الشعور.

رسم تخطيطي لمجرة الزوبعة التي رسمها الفلكي البريطاني ويليام بارسونزفي عام 1845 م، أي قبل 44 عاماً من رسم فينست للوحة ليلة النجوم .
رسم تخطيطي لمجرة الزوبعة التي رسمها الفلكي البريطاني ويليام بارسونزفي عام 1845 م، أي قبل 44 عاماً من رسم فينست للوحة ليلة النجوم .

 

رسائل فان جوخ حول لوحة ليلة النجوم

هذا الشعور بعيد تماما عن اللاهوت. فالحقيقة أن أفقر الحطابين أو الفلاحين لديه لحظات من العاطفة والإلهام التي تعطيه الإحساس بالمسكن الأبدي… في بعض الأحيان، يوجد شيء لا يمكن وصفه في تلك الجوانب، فالطبيعة كلها تبدو وكأنها تتحدث. وبالنسبة لي، فإني لا أفهم لماذا لا يرى ذلك كل شخص، ولماذا لا يحس به؟ فالطبيعة أو الإله يفعل ذلك لكل من لديه عينان وأذنان وقلب ليفهم. رسالته لثيو بتاريخ 26 نوفمبر 1882

 

“في كل الأشياء الوحيدة التي أعتبرها جيدة بعض الشيء، هي ويتفيلد، الجبل، البستان، أشجار الزيتون مع التلال الزرقاء والصورة ومدخل المحجر، والباقي يقول لي شيئا” فان جوخ 20 سبتمبر 1889

 

“عندما كان غوغان في آرل، سمحت لنفسي مرة أو مرتين بالتخلي عن التجريد، كما تعلمون، ولكن هذا كان وهماً، أيها الأصدقاء الأعزاء، وسرعان ما واجه أحدهم حائطاً من الطوب، ولكن مرة أخرى، سمحت لنفسي بأن أكون مضللاً للوصول إلى نجوم أكبر من اللازم، ولقد كان لي ملء ذلك“.  فان جوخ 1888

 

الوسوم

Axistalking

مجلة رقمية تنويرية ومساحة للرأي الحر.. نهتم بالقضايا العربية ومقارنة الأديان ومناقشة الفلسفة والعلوم والحركات الفكرية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق