تاريخنقد أديان

لُغز غزوة بني النضير

1
في تاريخ بني إسرائيل بعد وفاة موسى تولى “يوشع بن نون” قيادة اليهود وفي عهده دخلوا فلسطين وانتصروا على الكنعانيين، غير أنه بعد وفاة يوشع، انقسم بنو إسرائيل إلى قبائل عدة وكان حكامهم يسمون (القضاة) والقاضي عادة ما يكون شيخ القبيلة، وقد انتشرت بينهم الحروب والنزاعات مع اختلاطهم بالشعوب الأخرى وتأثرهم بهم.

2
ومن هؤلاء القضاة كان “جدعون” الذي كان له دور في محاربة الوثنية والانتصار على المديانيين ووحد القبائل، وفي نهاية حياته طلب منه أن يعلن نفسه ملكاً على بني إسرائيل، لكنه رفض وكان له عدد كبير من الزيجات والسرايا والأبناء، منهم “سرية” جارية من شكيم (نابلس حاليا) ‏ولدت له إبنه “ابيمالك”، وبعد موت جدعون دب الخلاف بين أبنائه وكان ابيمالك له طموح ان يكون ملكاً، فلجأ الى عائلة أمه في شكيم ذوي النفوذ، وطلب منهم أن يتوسطوا له أمام أهل شكيم‏ فحصل على تأييدهم،‏ وأعانوه في قتل إخوته، وأعلن نفسه ملكاً على الإسرائيليين.

 

3
ثم بعدها بثلاث سنوات، دب الخلاف بينه وبين أهل شكيم الذين آووه ونصروه وساعدوه في إعلان ملكه، فتآمروا على قتله وحاولوا اغتياله وتحركوا ضده، لكنه جمع جيشه وتحرك ضدهم وقمع ثورتهم فهرب أهل شكيم من بطشه إلى أحد الابراج، فتتبعهم وحاصرهم وأحرق الأشجار المحيطة بهم، ‏فقامت امرأة واقفة على برج المدينة بإلقاء حجر الرحى على رأسه فقتلته ثم مات بعدها أهل شكيم من الحريق.

 

4
وفي حياة النبي مُحمد في المدينة، حدث في العام الرابع للهجرة غزوة بني النضير، وهم من يهود المدينة، وورد في سبب الغزوة أنهم حاولوا قتل مُحمد في عدة مواقف منها أنهم دبروا مكيده بطلب اجتماع مع النبي، وأخفوا خناجر في ثيابهم فعلمت إمرأه بذلك، فارسلت للنبي تحذره، ومنها أنهم حاولوا اغتياله عن طريق رجل منهم صعد إلى بناء حيث كان يجلس مُحمد مع صحابتة تحته، ليلقي عليه حجر رحى “لاحظ!”، وورد في السيرة، أن جبريل أخبر مُحمد بالمؤامرة فترك المجلس وانطلق مسرعاً، وقيل سبب محاولتهم قتل النبي هو مراسلات بينهم وبين مشركي مكة يعرضون التعاون معهم للقضاء على مُحمد، وقد ندموا على التحالف معه في البداية وتمكينه من إقامة دولته بالمدينة، وأرسل لهم مُحمد بمغادرة المدينة، فرفضوا، فجهز جيشاً لحصارهم، فسارعوا إلى حصونهم، واحتموا بها، وأخذوا يرمون المسلمين بالنبل والحجارة، وكانت نخيلهم وبساتينهم عوناً لهم في ذلك، فأمر مُحمد بقطع بعضها وتحريقه، حتى أحاطت بهم الحرائق، فاستسلموا وقرروا الجلاء.
5
عندما نتأمل مبدئياً، سنجد أن هناك أوجه تشابه بين قصة ابيمالك وحصاره لشكيم، وقصة حصار مُحمد ليهود بني النضير في لجوئهم للحصون المحاطة بالأشجار، واستخدام خطة إحراق الأشجار لإجبارهم على الاستسلام، مع اختلاف النهاية باغتيال ابيمالك، في حين أن بني النضير استسلموا وقبلوا بالتهجير. إلى هذا الحد ربما يكون الأمر صدفة، ولا يمكن التشكيك في القصة، لأن قصة التجاؤهم للحصون وقيام مُحمد بقطع الأشجار مذكورة في القرآن في سورة الحشر.
6
غير أن الغريب في القصة ليس التشابه في هذه المسألة فقط، فالتشابه بين قصة ابيمالك في العهد القديم، ومُحمد، له أوجه كثيرة وهذه الاوجه نلخصها في التالي:

  1. تشابه وضع بني اسرائيل زمن القضاة والعرب قبل الاسلام من حيث التفرق إلى قبائل متصارعة، مع انتشار الوثنية بينهم.
  2. التشابه بين سيرة جدعون والد ابيمالك وعبد المطلب، فجدعون انتصر على المديانيين الوثنيين وأقام معبداً للرب، وهي تتشابه مع انتصار عبد المطلب على ابرهه صاحب الفيل، وحماية بيت الرب، وكلاهما شيخ قبيلته، لكنه لم ينصب نفسه ملكاً.

أما أوجه التشابه بين ابيمالك ومُحمد فهو الأغرب:

  1. فكلاهما أراد توحيد الشعب وإعلان نفسه حاكماً.
  2. ونفس مسار الأحداث يتشابه بينهما ايضاً، فابيمالك هاجر إلى شكيم معقل أخواله، واستعان بهم في قتل إخوته، وقيام دولته، ومحمد هاجر المدينة لأخواله من بني النجار، واستعان بهم في حرب قومه والانتصار عليهم.
  3. وبعد الانتصار بعدة سنوات واقامة الدولة، ندم أهل شكيم على تعاونهم مع ابيمالك، فتآمروا على قتله وثاروا ضده، وهو شبيه تماما بانقلاب يهود المدينة على مُحمد ومحاولة اغتياله والتي انتهت بحصارهم مع الاختلاف في النهاية بمصرع طرفي الواقعة في قصة ابيمالك، في حين انتصر مُحمد، وقتل اليهود وأسلم البعض وهاجر الاكثرية.
  4. وهناك جوانب أخرى تتشابه في التفاصيل، مثل محاولة الاغتيال في الحالتين باستخدام حجر الرحى الملقى من اعلى، ووشايه شخص على المؤامرة، وخيانه شخص لعشيرته وانضمامه للحاكم في قمعهم، الهروب في الحصون وتحريق الأشجار حول الحصن.

7
إن هذا الأمر يثير الحيرة والشكوك، ويُعيد التساؤل حول أسئلة ليس لها إجابة حتى الآن، حول مصداقية كثير من أحداث السيرة: فلو افترضنا أنه تم استعاره تفاصيل من قصة ابيمالك، لسد فراغات السيرة من قبل المُدونين المسلمين المبكرين، فلماذا يقتبسوا من قصة حاكم ظالم في الأدب اليهودي؟ أم أن هذا الامر كان نكاية في اليهود؟
وهل كان لليهود دور في صياغة بعض تفاصيل قصة السيرة، خصوصاً حديثو الإسلام، وإن كنت لا أميل إلى فكرة المؤامرة اليهودية؟ أم أن الاحداث طبيعية، واليهود رأوا في شخص مُحمد وانطلاقته، ما يذكرهم بابيمالك، فاتبعوا نفس أساليب المقاومة فسارت الأحداث على هذا النحو؟!

الوسوم

Axistalking

مجلة رقمية تنويرية ومساحة للرأي الحر. نهتم بالقضايا العربية ومقارنة الأديان ومناقشة الفلسفة والعلوم والحركات الفكرية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق